كتاب – الإسلام فى التاريخ

أسم الكتاب: الإسلام فى التاريخ – الأفكار و الناس و الأحداث فى الشرق الأوسط

تأليف: برنارد لويس  Bernard Lewis

الكتاب عبارة عن 583 صفحة من الحجم المتوسط. نشر مترجماً عام 2003 من إصدارات المجلس الأعلى للثقافة. قام بترجمته مدحت طه. أسم الكتاب الأصلى Islam in history – Ideas, people and events in the middle east و نشر لأول مرة عام 1993.

يتكون الكتاب من ثمانية أجزاء و ثلاثين فصلاً، يتصدرها مقدمة طويلة من المراجع/ أحمد كمال أبو المجد.

 islam in history

الجزء الأول؛ المداخل الغربية

 

يتكلم الكاتب فى الفصل الأول عن ضرورة دراسة الإسلام بإعتباره أحد المكونات الحضارية الرئيسية للدول التى تدين بالديانة الإسلامية منذ نشأة الدين الإسلامى و ظهوره فى الجزيرة العربية و إنتشاره السريع فى دول جنوب شرق أسيا و شمال أفريقيا ثم إمتداده فيما بعد لوسط و جنوب و جنوب شرق أسيا و جنوب أوروبا. لا يوجد دولة يدين أغلب شعبها بالإسلام فى العصر الحديث إلا و كان لها نصيب ما من التأثير المباشر للإسلام و الحضارة الإسلامية على أعمدة الدولة الحديثة فيها من الناحية الإجتماعية و القانونية و السياسية و ربما الإقتصادية و الثقافية أيضاً.

حاول البعض فى العصر الحديث الخروج من هذا الإطار و كسره و التصادم معه رغبة فى تحطيمه و المضى قدماً فى بناء حضارى لا يعتبر الإسلام و الحضارة الإسلامية موضع تطبيق و تأثير فى هيكل الدولة الحديثة، و لكن بائت كل المحاولات فى هذا الصدد بالفشل، بل و إنتهى بعضها نهايات كارثية. يعطى الكاتب مثال واضح و شهير فى مقال (معنى خلق إنسان عربى جديد) الذى كتبه ضابط سورى فى مجلة (جيش الشعب) الخاصة بالجيش السورى 1967 ، و كانت كلمات الضابط حادة و قاطعة فى رفض الإيمان الإسلامى أساساً و التشكيك فى البعث و الحساب، بل و إستنكار أن يركع الرجال إستجداءً للشفقة و الرحمة! كان رد الفعل الشعبى على هذا المقال من العنف و القوة بحيث لا يفكر أى مسؤول رسمى أو شبه رسمى فى إتخاذ خطوة مشابهة مستقبلاً. فأنكرت الدولة صلتها بالموضوع و إعتقلت الكاتب و مجلس تحرير المجلة، و فى الثلاث سنوات التالية تم بناء عدد من المساجد على الآراضى السورية يفوق عدد المساجد التى تم بنائها فى الثلاثين عام المنصرمة.

يقرر الكاتب حقيقة أن الباحث أو المتعلم اليهودى فى القرن التاسع عشر كان يملك ميزة الفهم الأكثر عمقاً و تخطى البدايات البحثية و الإكليشيهات التقليدية بالمقارنة بالباحث الغربى المسيحى، نظراً لقربه تاريخياً و دينياً من الإمبراطوريات الإسلامية، بالإضافة لشعوره الإيجابى وقتها ناحية الحضارة الإسلامية التى قدمت لليهود الرعاية و المسكن و الحماية من التعرض له أو إيذاءه أو إضطهاده فى أوروبا القرن التاسع عشر.   

يشير الكاتب إلى أن الدول التى أبدت إهتماماً أكبر بدراسة الإسلام و مختلف جوانب الحضارة الإسلامية هى دول كانت بالأساس إمبريالية توسعية فى الأراضى الإسلامية. كانت بريطانيا العظمى و فرنسا و هولندا و روسيا من أوائل الدول التى أهتمت بدراسة الإسلام كدين و كحضارة. برغم أن العلاقة بين هذه الدول و العالم الإسلامى تمازجت بين الإحتلال و التجارة و الجيرة إلا أن بعض جهود الباحثين فى هذه الدول تميز بالعمق و تطبيق المعايير العلمية الحديثة فى دراسة الإسلام، و هو شىء لم يحدث فى التاريخ الإسلامى من قبل. بعض الدول كانت لها علاقات إستعمارية أيضاً مع الإمبراطورية العثمانية خصوصاً مثل ألمانيا و النمسا مما شكل إهتماماً لدى هذه الدول لمعرفة الجار العثمانى معرفة أوثق، و لاحقاً كانت لإيطاليا تجربة إستعمارية فى الشمال الأفريقى كانت ذات أثر فى دراسات إيطالية عن الإسلام.

تميز القرن التاسع عشر بزيادة المعرفة بالإسلام من قبل المفكرين العظام، و تناول بعضهم مثل فولتير، منتسيكيو، توكيفيل، هيردر، هيجل، بروك و آدم سميث و غيرهم بالكتابة و التحليل بعض جوانب الدين و السياسة و الإقتصاد و المجتمع فى الدول الإسلامية.

ينتقل الكاتب لموضوع (عملية تفكيك المستعمرات). التعريف المختصر لهذا المصطلح التاريخى هو رفض الرؤية التاريخية الإستعمارية للتاريخ الخاص بالدول المستعمرة، و هى عملية ضرورية لإزالة آثار الإستعمار ثقافياً بشكل نهائى، حيث كان الدارسون و المؤرخون الغربيون المواكبين للإستعمار لهم هدف شبه موحد و هو تسفيه و إحتقار و طمس الحضارات السابقة للمنطقة فى محاولة لإضفاء الهيبة و الإحترام على الحضارة الغربية الوافدة مع المستعمر بصفتها المخلص من التخلف و الهمجية الرائجة فى تلك البقاع من العالم قبل قدوم الرجل الأبيض. فترى الشعوب المحتلة الإستعمار على إنه أداة للتقدم و التنوير الموعود. كنتيجة سياسية لذلك التوجه كان الهدف الأساسى هو خلق هويات قومية خيالية للتفريق بين الشعوب.

يعرض الكاتب مثالين لفهم هذه الظاهرة من خلال محاولات الدول الإستعمارية لصياغة ثقافة شعبية معينة فى الدول المستعمرة. مثل تجربة فرنسا مع البربر و إستمرار بث أفكار تسفيهية من الحضارة العربية و محاولات لطمس التاريخ العربى لهذه البقاع من العالم و إعلاء شأن التاريخ البربرى لها لفصلها عن محيطها العربى. التجربة الأخرى هى التجربة الروسية و التى قامت خلالها الدولة الروسية بتشجيع دراسة التاريخ العريق لدول وسط أسيا و دعم الشعور بالإعتزاز من قبلها بالتاريخ الإسلامى و الوسيط فى أثناء صعود روسيا القومية فى نهايات القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين، ثم إندحر هذا الإتجاه لدى الدول المذكورة بتأثير من نفس الدولة الروسية عند رغبة الإتحاد السوفيتى فى صهر القوميات المختلفة تحت راية الولاء للشيوعية!

يرى البروفيسور/ كيدورى Kedaurie أن الإستعمار أو الإمبرالية لم تكن هى الجريمة الأعظم التى إقترفت فى حق العالم الأفرو-أسيوى، و لكنها جريمة نشر الفكر القومى، حيث أنه فى أثناء معارك التحرير الناجحة ضد السيطرة الإستعمارية، سقط النظام الإستعمارى و معه النظام القديم دون وجود نظام بديل للحكم، لينتهى الأمر فى الكثير من دول العالم الثالث فى يد جنرالات عسكريين أو حكام موالين للغرب، الذين بدورهم وصلوا إلى السلطة دون بناء ثورى إجتماعى و ثقافى مناسب، و لهذا لا يملكوا ضمير أو هوية ثورية حقيقية، و لكنهم فى المقابل يملكون الكثير من الكلمات الثورية الرنانة.

ظهرت طموحات جديدة للحكام و الشعوب بدلاً من القديمة التى كانت كتأثير من تركة المستعمر مختلة و مفككة و مهترئة، ترجع الطموحات الجديدة غالباً إلى أصل و قيم أوروبية فى الإستقلال الإقتصادى و الأخلاقى و الثقافى. أدى عدم القدرة المنطقية فى الوصول إلى نتائج مرضية إلى ظهور مشاعر (عدم الكفاءة و الإرتباك)، و التى تؤدى إن عاجلاً أو آجلاً إلى أن ينفجر المواطن فى (فعل العنف و التدمير). يرى البروفيسور أيضاً أن سبب عدم إستمرارية الوضع الإستعمارى الإمبراطورى الغربى هو نظرة المواطن الأوربى لغيره من مواطنى المستعمرات نظرة دونية و رفضه المساواة بهم مثلما كان الحال عليه فى الإمبراطوريات الرومانية والإغريقية التى كان المواطن فيها يجرؤ على الحلم بأن يصل لأعلى المراتب فى السلطة.

الجزء الثانى؛ التاريخ الإسلامى و المؤرخون المسلمون

 

بشكل عام -مع وجود إستثناءات- لا توجد سجلات للعالم الإسلامى فى العصر الوسيط نظراً لإنعدام وجود هيئات أو مؤسسات قادرة على التسجيل و التدوين بشكل يومى أو شهرى مثل كيان الكنيسة فى العالم المسيحى أو مثل الكيانات النقابية و المهنية.

كانت أقدم الكتب الخاصة بالنشاط الإقتصادى هى الكتب التى إستقت معظم مادتها من أحاديث الرسول (عليه الصلاة و السلام) و الرواد الأوائل فى الإسلام، و هو (كتاب الكسب) لكاتبه السورى الذى توفى عام 804.

نظر المؤرخين لآثار القضاة المتمثلة فى أحكامهم فى البداية كونها تأريخاً دقيقاً لمختلف النشاطات و المجالات فى العالم الإسلامى، لكن بمرور الوقت وضحت بعض أجزاء الحقيقة للباحثين فى كون القضاة الإسلاميين معنيين أساساً بالقيم المثالية، و بهذا فإن كتاباتهم و أحكامهم -فى جزء كبير منها- تصف ما يجب أن يكون و ليس ما هو قائم بالفعل فى المجتمع الإسلامى. لم يكن التشريع الإسلامى ساكناً أو جامداً و لكنه خضع لعملية تطوير معقدة و طويلة كنتيجة لإجتهادات و تأثيرات مختلفة على القضاة و الفقهاء.

يتكلم الكاتب عن مؤلف مهم للبروفيسور/ اّر ستيفن همفرى R. Stephen Humphry 1988. يذكر الكاتب أن الشريعة الإسلامية تعرف ثلاث طبقات دنيا غير مساوية فى الحقوق لمواطن الدرجة الأولى ألا و هم العبيد، النساء و الكفار. و قد أضاف الحكام و الخلفاء المختلفون بحسب المزاج العنصرى أو التمييز الإجتماعى فئات آخر لهذه الفئات الثلاثة. يؤكد البروفيسور ايضاً أن بعكس ما هو شائع فى الغرب فإن العصور الوسطى الإسلامية شهدت دولة مدنية إلى حد بعيد، حيث أن التأريخ لها يرصد أنماطا من الأحوال و المشاكل المدنية تماماً.

 

الجزء الثالث؛ المسلمون و اليهود

 

يرصد الكاتب فى هذا الجزء بشىء من التفصيل ظاهرة التعاطف الشديد مع الشعوب و الدول الإسلامية التى كانت تميز الشعب اليهودى فى أوروبا، و التى وضحت بشكل جلى فى الحرب الروسية-التركية من تعاطف اليهود مع الدولة العثمانية ضد الدولة الروسية، و هو ما ظهر فى سياسات بريطانيا تحت قيادة رئيس وزراء مسيحى (دزرائيلى) فى دعم كامل و مستمر للدولة العثمانية المسلمة (المعتدية) ضد الدولة الروسية المسيحية (المعتدى عليها).

يتتبع الكاتب بعضاً من الجذور التاريخية لحالة التعاطف القوية بين اليهود و الشعوب الإسلامية، فيرى أن بجانب إحتواء الدول الإمبراطورية الإسلامية لليهود على مدار تاريخها الأموى و العباسى مروراً بالممالك الوسطى وصولاً للعثمانيين، بجانب هذا الإحتواء و التواجد اليهودى الحر -نسبياً- فى أراضى الدول الإسلامية، فإن هناك تحالفات مبكرة حدثت بين اليهود و المسلمين فى صد الحملات الصليبية و أيضاً وجد تحالف مماثل بين اليهود و المسلمين المراكشيين ضد المسيحيين فى إسبانيا.

يعدد الكاتب أسماء باحثين غربيين يهود كان لهم دوراً كبيراً فى القرن التاسع عشر فى تناول إنجازات الحضارة الإسلامية و ثمار الفكر الإسلامى من منظور أكثر تعاطفاً و أقل إضطهاداً لما كان شائعاً حينها فى أوربا، من بين هؤلاء جوستاف فيل Gustav Weil  و عمله الرئيس (فى حياة محمد و تعاليمه) و يعتبر كتابه العمل الأول الذى يصل للقارئ الأوربى العادى و يرى محمد (عليه الصلاة و السلام) بشكل مقارب لكيفية رؤية المسلمون إياه. أعظم هؤلاء الباحثين على الإطلاق هو إيجناس جولدتسيهر Ignaz Goldziher ، و هو من اليهود الأنقياء من المجر و كتب سلسلة من الدراسات فى العقيدة و الشريعة و الثقافة الإسلامية و يعد من مؤسسى و كبار أساتذة الدراسات الإسلامية المعاصرة.

كان لكتابات الباحثين اليهود أثر بالغ خصوصاً فى مفكرى و كتاب الإمبراطورية العثمانية التى إنفتحت -نسبياً- فى عقودها الأخيرة على الدول الغربية التى أضحت تفوقها قوة و علماً و حضارة بشكل لا يقبل اللبس حتى من الجانب التركى. تعد الإمبراطورية العثمانية فى هذا السياق أول دولة إسلامية تنفتح بشكل إيجابى على العالم الغربى منذ العصور الذهبية للحضارة الإسلامية، ليتعلم بعضهم اللغات الغربية و يقيم آخرون صلات مع مفكرى و مؤسسات الغرب العلمية خصوصاً المعنية منها بالدراسات الإسلامية. كان أول كتاب معاصر للنحو التركى و الذى كان نقطة البداية لإحياء اللغة التركية 1851 ,و كذلك إحدى أوائل المقالات التركية التى تناولت الإتجاهً القومى الجديد تماماً بين الأتراك العثمانيين و بين الشعوب الإسلامية بشكل عام 1869، كان هاذان العملان يتخذان من مقدمة كتاب دافيد اركوهارت David Urquhart (روح الشرق) مصدراً وحيداً أو أساسياً لعملهما المحورى فى التاريخ التركى.

يأتى هذا الإنتشار و التواجد الإستثنائى للباحثين اليهود فى مجال الدراسات الإسلامية برغم عدم وجود دلائل أو إشارات من ناحية الكتاب أو المؤسسات الإسلامية عن الإحساس برابطة أو صلات خاصة بين الباحثين اليهود بشكل خاص و اليهود بشكل عام من ناحية و بين الشعوب الإسلامية عامةً من ناحية آخرى مثلما نرصد الإشارات الصريحة و الضمنية بهذا الخصوص فى أعمال الباحثين اليهود. يغلب الظن أن الأتراك لم يعطوا لديانة هؤلاء الباحثين أو أصولهم أى إهتمام أو ميزة أو تفضيل عن غيرهم، بل أن ما جذبهم إليهم هو التعاطف الواضح من قبل الكثير من هؤلاء الباحثين اليهود مع الدولة العثمانية و تفوقهم الملحوظ فى مجالات الدراسات الإسلامية المختلفة.

يحلل الكاتب أخيراً ظاهرة التعاطف اليهودى مع المسلمين، حيث يرى أن الإيمان اليهودى -وقتها- بالعصر الذهبى للتسامح بين اليهود و المسلمين فى الدولة الإسلامية هو نتيجة للتعاطف الواضح مع الشعوب الإسلامية و ليس سبباً لهذه المشاعر، حيث إنه تم إبتداعه -بشكله المثالى حينها- من قبل اليهود لإتخاذه ذريعة لتأنيب مسيحيى أوروبا فى القرن التاسع عشر، و بالمثل لتأنيب مسلميى العصر الحديث (ما بعد ظهور إسرائيل).

التسامح الدينى فى الإمبراطورية الإسلامية كان أكثر فى إسبانيا مما كان فى المشرق العربى، و بمقارنة حالة التسامح مع اليهود فى مجمل الإمبراطورية الإسلامية نجدها تفوق مثيلتها فى العالم المسيحى (فى القرون الوسطى) بما لا يدع مجالاً للمقارنة، حيث أن أى حالات إنتهاك لليهود من إحتقار أو قمع حدث لهم خلال معيشتهم فى العالم الإسلامى فى أثناء عمر الإمبراطورية المديد لا تقارن بالكراهية الشعبية و الرسمية المؤثرة فعلياً وبشكل جمعى على يهود أوروبا فى أوقات و أماكن مختلفة. إلا إنه لا يجب إغفال أن التسامح الإسلامى لم يعنى أبداً المساواة، حيث ظل شعور السمو و الفوقية الدينية موجود لدى كل مسلم فى مواجهة أياً من أتباع الديانات الأخرى من رعايا الإمبراطوريات الإسلامية المتلاحقة.

 

الجزء الرابع؛ المغول و الأتراك

 

يقارن الكاتب بين ما تم من تدمير للإمبراطورية الرومانية على أيدى البرابرة الجرمان و بين ما تم من تدمير للخلافة الإسلامية العباسية على يد المغول عند غزوهم لعاصمة الخلافة فى بغداد. بينما كان للبرابرة ميل للتعلم و لنقل بعض قيم و الإمبراطورية لم يكن للمغول القادمين من الشرق الآسيوى أى ميل غالباً للتعلم أو لحفظ قيم الحضارة الإسلامية. إلا أن العصر الذهبى للخلافة العباسية كان قد ولى من زمن طويل، و كانت مؤسسة الخلافة نفسها لا تتمتع بالنفوذ و السلطة السابقة، بل أن الإنتاج الحضارى و الإضافات الإنسانية من قبل المسلمين كانت فى حالة ركود و أفول و لم تكن هذه المؤسسة تنتظر إلا رصاصة الرحمة التى تطوع المغول بإطلاقها.

مع التواجد المغولى الحاكم لأراضى واسعة كانت فيما سبق تخضع للحكم الإسلامى، تطورت العلاقة بين السلالات الحاكمة المغولية و الإسلام ليتحول الكثير من ملوك الخاقانات للدين الإسلامى مع نهاية القرن الثالث عشر أى بعد عقود قليلة من دخولهم بغداد ظافرين. مع بدايات القرن الرابع عشر كانت الممالك المغولية قد بدأت فى البناء و التشييد و خدمة الحضارة الإسلامية بشكل مختلف لم يكن متاح من قبل، إذ إنه للمرة الأولى، و بفضل حكم المغول، يصل الدين الإسلامى و تمتد الحضارة الإسلامية إلى جنوب روسيا الحالية و إلى الشرق الأقصى لتتواصل الحضارة الإسلامية مع نظيرتها الصينية و غيرها من حضارات وسط و شرق آسيا عبر الممالك المغولية الشاسعة الممتدة عبر القارة، ليكون التلاقح و التأثير فى عدة مجالات منها الفنون و التكنولجيا و الثقافة بل و إدارة شؤون السلطة و الحكومات.

يرى الكاتب و غيره من مؤرخى الحضارات الإسلامية أن الغزو المغولى على ما كان له من سمات تدميرية عدمية فى بداياته، إلا إنه كان بمثابة موجة جديدة و دماء شابة إستفادت منها الحضارة الإسلامية بمفهوما الكونى الشامل. فيرى إبن خلدون أن تولى الشعوب التركية و البدوية القادمة من أواسط آسيا مقاليد الحكم و الريادة فى معظم بلدان العالم الإسلامى، سواء بشكل مباشر و أصيل أو بشكل غير مباشر على هيئة ميليشيات عسكرية منتشرة فى البلدان الإسلامية و تحوز السلطة بها -مثل المماليك فى مصر-، يرى إبن خلدون إن هذا الصعود التركى الجديد تأكيد من الله بدعم الدين الإسلامى بتطعيمه بقبائل بدوية أصيلة من سهوب و صحارى آسيا الوسطى لم تلوثها المدنية و الحضارة التى أتت بفعلها فى دولة الخلافة التى كانت قائمة، و على الرغم من كون هذا التحليل من إبن خلدون يرجع أساساً إلى رأيه الشخصى فى تفضيل الخصال البدوية الخشنة على الصفات الحضارية المدنية إلا إنه أصاب جزء من الحقيقة فى كون هذه الممالك و الشعوب الجديدة التى تحولت للإسلام قد ساعدت على نشر الديانة الإسلامى لحدود لم تعرفها من قبل.

أهم ثمار التأثير المغولى على بلدان المركز الإسلامية هو تدعيم نظريات الحكم بأدوات جديدة خلقت إستقراراً ملحوظاً مقارنةً بالدول الإسلامية السابقة عليها. فقد تطور الأمر فى فارس و مصر و الأناضول إلى ممالك مستقرة لم تشهدها هذه المناطق من قبل فى أزمنة دولة الخلفاء الراشدين، أو تحت حكم الأمويين أو العباسيين. تتلخص الأدوات الجديدة فى تكوين سلالات حاكمة أكثر قوة و ثباتاً و تعتمد على طبقة بيروقراطية راسخة، و مؤسسة قضاء فاعلة و قوية، بالإضافة لجيش قوى و هيئة كهنوتية شبه هرمية.

كانت الإمبراطورية العثمانية بلا شك هى الوريث الأهم للحضارات الإسلامية المتعاقبة، و لهذا كان إنهيارها -التدريجى و المؤلم- مثار بحث و دراسة كل المؤرخين و المهتمين بالدراسات الإسلامية نظراً لكونها آخر إمبراطورية إسلامية ظهرت بعد تاريخ طويل من التسلسل بين العواصم و العوالم الإسلامية المختلفة. بدأ المفكرون و الكتاب العثمانيين مناقشة موضوع سقوط الإمبراطورية فى الوقت التى كانت هذه الإمبراطورية فى عز قوتها و نفوذها و رقعتها الجغرافية، و ذلك قبل قرون من نهايتها الفعلية، بعكس الإمبراطوريات التى سبقتها و التى لم يتثنى لأبنائها مناقشة أسباب إنهيارها إلا فى فترات الإنهيار و النهب الأخيرة.

يرجع الكاتب البداية الحقيقية للإنهيار العثمانى إلى الفساد الذى بدأ مع حدث تعيين إبراهيم باشا كوزير أعظم 1523 ليتحطم بهذا الإختيار أحد أهم التقاليد التى ميزت هذا المنصب فى كونه سابقاً لم يتم بالتعيين المباشر، و لكن عن طريق التدرج فى المناصب و إكتساب الخبرات اللازمة و المنافسة القوية بين أفراد الطبقات العليا من الحكومة العثمانية بعد التدرج الضرورى فى مختلف درجاتها. ليفقد هذا المنصب المحورى فى الإمبراطورية أهم ميزة له و هى الإستقلالية شبه التامة عن السلاطين العثمانيين التى كانت تميزه سابقاً و تتيح للوزير الأعظم إدارة شؤون الحكومة بحرية و دون مراعاة لتفاصيل البلاط السلطانى، و إنتهت أيضاً ميزة عدم قابلية عزل الوزير الأعظم إلا إذا فى حالة الإهمال الجسيم فى أداء الواجب المنوط به، فنجد إنه منذ عام 1584 و كنتيجة حتمية لتسرب آفة الفساد و السيطرة السلطانية على المنصب الحكومى الأهم فى الإمبراطورية، إنهارت سلطة الوزير الأعظم و صار عرضة لتدخلات و تهديدات من مختلف أمراء البلاط العثمانى وصلت إلى التهديد بالعزل أو بالقتل. إمتدت هذه الأخلاقيات الفاسدة لاحقاً و بالتدريج إلى المناصب العليا المدنية و العسكرية فى الدولة العثمانية، ثم و على أساسها تشكلت قيم جديدة فاسدة تختلف عن قيم العصر الذهبى للبلاط العثمانى. كما تأثرت المنظومة القضائية لاحقاً بهذه بهذه الأخلاقيات ليتغير الحرص السابق من آل-عثمان على مناصب القضاة و إصرارهم على أن يتولى المناصب أعلى القضاة الشرعيين حكمة و تطبيقاً لأحكام الشريعة، لتتحول إلى مناصب تشكل المحاباة و العلاقات السلطانية أقصر الطرق لتوليها.

 

الجزء الخامس؛ بالأبيض و الأسود

 

يتناول الكاتب فى هذا الفصل موضوع شديد الخصوصية و هو تأثير و تواجد أصحاب البشرة السوداء فى مراحل الحضارة الإسلامية المختلفة. يتكلم الكاتب بدايةً عن ظاهرة (غرابيات العرب) التى ترصد أشعار مبكرة كتبها شعراء ذوى أصول أفريقية أو نسب أفريقى. كان هذا المصطلح شائعاً منذ القرن الثامن حتى القرن الثامن عشر لوصف الإنتاج الأدبى للشعراء العرب سود البشرة. قبل الإسلام كان العرب غالباً لا يعترفون بأبنائهم من أمهات سود البشرة ليس لسبب آخر معلن غير لون بشرتهم! كان التفاخر باللون الأبيض غالباً بإعتباره دليل نسب و وسامة لكل من الرجال و النساء.

بعد قيام الدولة الإسلامية، و بداية من القرن الثامن بعد دخول شعوب سوداء كثيرة فى الدين الإسلامى فى أفريقيا، إختفت إلى حد كبير الأدبيات التى تذم فى اللون الأسود و لم يصبح اللون الأبيض مثار تفاخر عن اللون الأسود للبشرة بشكل رسمى، و إن بقى العبد الأبيض القادم من أواسط أسيا أو من أطراف الدولة الإسلامية الشمالية يفُضل عن العبد الأسود القادم من أفريقيا الإستوائية فى الحدود الجنوبية للإمبراطورية فى إفريقيا، و يسهل إندماج العبد الأبيض فى المجتمع فى حالة إطلاق سراحه و تحريره بالمقارنة بالعبد الأسود، لتقترن النظرة السلبية على العبيد السود غالباً دون الأحرار منهم.

ساعد على إضمحلال النظرة الدونية لأصحاب البشرة السوداء أولاً مساواة تعاليم الإسلام لجميع الأجناس و الأعراق دون تمييز، و ثانياً كون بعض أعلام و رموز الدولة الإسلامية فى الأساس أبناء لأمهات حبشيات الأصل،. أهمهم هو الخليفة عمر بن الخطاب، فأبوه الخطاب كان إبناً لأم حبشية، و كذلك عمرو بن العاص، و ثالثاً لنبوغ بعض العبيد السود البشرة فى فنون الشعر و التى أتاحت لهم مكانة جيدة و صيت واسع بين معاصريهم.

 

الجزء السادس؛ التاريخ و الثورة

 

يؤكد الكاتب بداية على أن كلاً من الحضارتين الإسلامية و المسيحية تشتركان فى الكثير من الأوجه و منها البناء على أساس التراث اليهودى، و الفلسفة الإغريقية و أن كليهما نهلا من التراكم الحضارى الضارب فى عمق التاريخ لمنطقة الشرق الأوسط. يؤكد لنا ما وصل من مقولات و سجلات المسلمون الأوائل أن الذاكرة الجمعية للمجتمع الإسلامى فى بداية ظهوره رأت أن العقيدة الدينية و السلطة السياسة متلازمتين بشكل وثيق لا فكاك منه، برغم كون النخبة الدينية الإسلامية -كانت و لازالت- ترى أن دورها هو تفسير و تأييد تطبيقات الشريعة الإسلامية فقط، مع عدم وجود أى طبقة دينية أكليروسية إسلامية بالمعنى اللاهوتى الكنسى الساعى إلى السلطة، و إن وُجدت بالمفهوم الإجتماعى فى عصور الإنحطاط اللاحقة.

يتوقف الكاتب أمام حقيقة أن أنبياء الله موسى و عيسى (عليهم السلام) قد توفاهما الله دون تأييد رسالتهما بالنصر الدنيوى الواضح، بعكس رسالة الإسلام التى كان نبيها محمد (عليه الصلاة و السلام) مؤسسها الدينى و زعيمها السياسى فى دولة إسلامية فتية ضربت بأساسها فى عهد النبوة نفسه. كنتيجة لهذه المقارنة نجد أن الوعى الجمعى الإسلامى المبكر كان يرى أن تأييد الله السريع لدعوة الإسلام أمر لا شك فيه، و أن إنتصار الدين الإسلامى و إعلاء كلمته فى ربوع المعمورة هى مسألة وقت فقط.

يرى الكاتب أن  حياة الرسول (عليه الصلاة و السلام) بمرحلتيها المكية و المدنية، أو مرحلتى الدعوة و الدولة لهما تأثير فى نشوء تقليدين فى الحكم الإسلامى، أحدهما فاشيستى معتدل يخضع فيه الفرد و حقوقه لسلطة الدولة المطلقة، و الآخر راديكالى ديناميكى تستخدم فيه القوة لتحقيق أهداف سياسية لها طابع شرعى يتمثل فى الرغبة فى إعلاء كلمة الله داخلياً عبر تطبيق الشريعة و خارجياً عبر نشر الدين الإسلامى عالمياً.

يختبر الكاتب تطبيق مفاهيم المجتمع المدنى على المفاهيم الإسلامية المختلفة، و هو يؤكد أن المعنى المبدئى للمصطلح فى الشرق الأوسط الحديث هو عكس ما هو عسكرى، ثم يؤكد أن المجتمع الإسلامى القديم بهذا التعريف المبدأى هو مدنى تماماً، حيث لم تعرف الدولة الإسلامية الجيش المحترف إلا بدخول القرن الثانى للهجرة، و كان الإعتماد الكلى قبلها على المتطوعين.

يكمل الكاتب مقارنة المفاهيم الإسلامية بمصطلح المجتمع المدنى بمفهومه الواسع، و هو ليس المناقض للدينى أو للعسكرى، و لكن للحكومة ذاتها. بمعنى أن تأتى البواعث الرئيسية فى التنظيم و المبادرة و الفعل من داخل المجتمع. أحد الأمثلة الساطعة لقيام مجتمع مدنى إسلامى صحى هى مؤسسة الأوقاف. فكانت هذه المؤسسة -الضاربة فى عمق التاريخ الإسلامى- أهلية تماماً، و كانت تقوم أساساً على ملكيات خاصة موقوفة لأغراض دينية أو خيرية، و كانت لها أدوار متشعبة و متشابكة مع الكثير من نواحى الحياة فى المجتمع الإسلامى مثل الصرف على المساجد أو المدارس أو الحمامات العامة أو المطابخ العامة أو سبل الشرب العامة. صاحب الوقف من الممكن أن يكون الحاكم أو موظف حكومة أو شخصاً عادياً من عامة الناس، و كانت للنساء فى هذا الصدد أدوار كبيرة، و منهن رموز شهيرة قد تصل مجموعها أحياناً لنصف قيمة الأوقاف، لتحقق المرأة المسلمة درجة مشهودة من الوعى بالعمل الأهلى و الخدمة العامة و الدينية إستخداماً لحقوق كانت تتفرد بها عن سائر نساء عوالم القرون الوسطى فى تمتعها بذمة مالية و حقوق للملكية و للإنفاق من مالها و هو ما لم يكن تحقق بعد للنساء خارج الدولة الإسلامية. كانت النهاية المأساوية لهذه التجربة الفريدة هى وضع الأوقاف تحت سيطرة الدولة فى القرن التاسع عشر على يد دعاة التحديث من الأوتوقراط. ظهرت فى المجتمعات الإسلامية أيضاً الكثير من التجمعات المدنية الآخرى مثل الجماعات الصوفية و جماعات الحرفة الواحدة التى ترتبط بتشكيل شبه نقابى فى كل مدينة و غيرها.

كان المجتمع السياسى و الإجتماعى فى الدول الإسلامية عبر الأزمنة المختلفة شديد التشابك و التداخل مع الدين الإسلامى كأساس تنظيمى و هيكلى للمجتمع ذاته، و لم تتم محاولات خلع الدين من هذه المكانة إلا مؤخراً، و بالمقارنة بجهود أوروبية لخلع الديانة المسيحية من مكانة مشابهة فى المجتمعات الأوروبية نجدها قد سبقت مثيلتها الإسلامية بقرون. كانت معظم هذه المحاولات فى العالم الإسلامى تتم بتأثيرات ثقافية أوروبية على النخب التى تشبعت من الثقافة الأوروبية و شعرت بالتفوق الحضارى الغربى على الدول الإسلامية منذ بداية الإنفتاح على الغرب فى القرن التاسع عشر. لاقت هذه المحاولات تجاوب متفاوت فى مختلف الدول الإسلامية و إن كانت لم يكتب لها النجاح التام فى أياً منها أبداً حتى الآن، و ربما كانت العودة عنها هى التى تحقق النجاح الحقيقى فى بعض الدول.

يصف الكاتب نظام الملالى فى إيران بالأقرب للدول الغربية و للحضارة المسيحية عنه للحضارة الإسلامية التى لم يتحكم بها رجال الدين بالمفهوم الأكليروسى أبداً، حيث تعد سيطرة رجال الدين على الدولة فى الدولة الإسلامية الكلاسيكية كمثل سيطرة الملكيات على الدول الأوروبية اليوم.

بمقارنة تاريخ التسامح فى الدول الإسلامية نجد إنها كانت أكثر تسامحاً فى الماضى عنها فى العصر الحديث بعض الشىء، حيث كانت أشكال الإظهاد قليلة للغاية و نادرة الحدوث فى الدولة الإسلامية القديمة و غالباً ما إرتبطت بظروف تاريخية معينة، و شملت مظلة التسامح أتباع الديانات الآخرى السماوية و إن كان منطقياً هناك رفض تام لمحاولات نشرها، بل و شملت أيضاً مظلة التسامح أنصار الديانات الوثنية و غيرها ممن لم يناد بتعدد الآلهة أو من لم يعلن لاأدريته.

تعاملت الدولة الإسلامية أيضاً مع الأشكال و المذاهب الإسلامية المختلفة بشكل متسامح و هو إختبار صعب فشلت فيه الديانة المسيحية، و لم تكن هذه الإنحرافات تمثل دافعاً لرد فعل عنيف أو سلطوى إلا فى حالة سعيها للسلطة.

ثم بدأ المسلمون بعد الفشل العثمانى الثانى فى غزو فيينا عام 1683 يشعرون بأن الصعود الأوروبى المسيحى لا يشكل تهديداً عسكرياً أو سياسياً فقط، و لكنه أضحى تهديد حقيقى للبناء الأساسى للمجتمع الإسلامى بالتفوق الواضح و الصعود السريع للحضارة الغربية فى مقابل حضارة إسلامية آخذة فى الذبول و غير قادرة على مواكبة أدوات العصر و تطلعاته.

يتناول الكاتب الإنشقاق فى الإسلام بالتحليل، فنجد أن الفهم الغربى الحديث لظاهرة قيام الحركات الدينية فى العصور الحديثة قد تجاوز الدوافع الدينية البحتة للظاهرة إلى ما يطلق عليه الأهمية الواقعية و القصوى كدافع لقيام هذه الحركات. بتطبيق هذه الأسس الحديثة التى بالطبيعة تم تطبيقها لقرون سابقة على الديانة المسيحية و الإنشقاقات داخلها، بتطبيقها على الحركات الدينية الإسلامية وجد الباحثون الغربيون أن الحركات الدينية الإسلامية تتفق و وجهة نظر و مصالح الذين قاموا بها. حتى أن بعد التطورات الأخيرة فى القرن العشرين و بمساعدة تطبيقات علم الإجتماع الحديث أصبح الدافع القومى وحده لتحليل الحركات الدينية غير مقبول عامةً، و صارت الحقائق الأساسية التى يقيم المؤرخون على أساسها هذه الحركات الدينية هى امتداد و تقلص المجتمعات، و صراع المصالح، و صراع الطبقات، و التحول الإقتصادى، و التوازن الإجتماعى. ليتبدل التقييم البحثى من زاوية صراع الطبقات القومية إلى صراع الطبقات الإجتماعية، و من مصالح العرق إلى مصالح الطبقة.

رأى الباحثون الغربيون فى البداية أن المذهب الشيعى هو بالأساس ثورة تحررية قام بها المنتمين للقومية الفارسية -الذين ينتمون للأصول الهندأوروبية- ضد السامية العربية للإسلام، و لكن تم دحض هذه النظرية بشكل عام بعد أن تأكدت الأصول العربية للحركة الشيعية التى نشأت بالأساس وسط شعوب متحدثة بالعربية فى جنوب العراق ثم إنتقلت إلى فارس بواسطة العرب أنفسهم.

  ظهرت فى العصور المبكرة للإسلام منذ وفاة الرسول (عليه الصلاة و السلام) حتى سقوط الخلافة الأموية، أى فى فترة زمنية تقدر بحوالى 120 عاماً، حركتى إنشقاق عقائدى أساسيتين و هما الخوارج و الشيعة.

نمت جماعة الخوارج بتأييد من عرب البادية أساساً ضد الخلافة الأموية، و لكنها كانت تحمل من المبادىء المضادة للسلطة القائمة أساساً و التى ترفض الشكل السياسى الجديد الذى يقيد الحرية المعتادة فى المجتمع القبلى و يفرض قيوداً لم يعهدها هذا المجتمع الحر بحماية دستور الشرع. قامت نظرية الخوارج على تعاليم و مبدأ المبايعة الذى يصل إلى حد الفوضى السياسية، و هم يمثلون الشكل الفوضوى من المعارضة الثورية بمفاهيم العلم الحديث.

الشيعة هى الجماعة المعارضة الأهم، هم شيعة الخليفة على بن أبى طالب، بدأوا كجماعة سياسية تؤيد تولى على بن أبى طالب للخلافة بإعتباره الأحق بها، ثم تطورت من صراع حربى و سياسى لتصير مذهباً دينياً يعتنق معانى مسيحية عن (المخلص) و ذلك بعد النهاية الدرامية لسيدنا الحسين بن العلى حفيد الرسول (عليه الصلاة و السلام) عام 680 فى كربلاء. كان البناء الأساسى لهذه الجماعة هم فئة الموالى، و هم المسلمون الذين لم ينتسبوا بالمولد لأى قبيلة عربية و أغلبهم من غير العرب الذين تحولوا إلى الإسلام، إلا إنه الصراع تحول لاحقاً إلى شكل إجتماعى و إنضم الكثير من العرب إلى المذهب الشيعى.

إنقسم الشيعة إلى فئة معارضة معتدلة حظت بتأييد عربى كبير، و آخرى معارضة متطرفة تتبع تكتيكات و سياسات متطرفة حظت بدعم فئة الموالى أساساً، و هى الفئة التى نشأت فى المراكز التجارية و الصناعية التى تمركزت حول الحاميات العسكرية العربية.

بعد صعود الخلافة العباسية بفكر ثورى فى هذا الخصوص و قيامها فى خلال قرن من الزمن بتحطيم سيطرة الإرستقراطية العربية التقليدية على مقاليد السلطة، و بعد قرن من محاولات و تجارب عدة لوضع مرجعية دينية تستطيع تلبية الطموحات و المتطلبات الجديدة للإمبراطورية الإسلامية، توصل العباسيون لإجماع الفقهاء كمرجعية موحدة للإسلام السنى كدين كونى فى عموم أراضى الدولة الإسلامية المترامية الأطراف. كرد فعل على هذا التوجه الجديد أعاد الشيعة بمساعدة الفئات العربية المهمشة إجتماعياً، و التى فقدت تأثيرها على السلطة الجديدة التجمع فى القرن العاشر فى جماعتين رئيسيتين ألا و هما جماعة الاثنا عشرية التى أتبعت المنهج الشيعى المعتدل للشيعة العرب الأوائل، و الطائفة الإسماعيلية التى استعادت نهج الشيعة الملالى الأكثر تطرفاً، و التى كانت ذروة قوتها مع تأسيس الخلافة الفاطمية التى حكمت مصر على مدى قرنين. مع حلول القرن الثالث عشر و الغزو المغولى خفت نجم الشيعة كقوة سياسة و تجمع أغلب المسلمون خلف فقهاء السنة كتأثير مباشر للصدمة التى تلت الغزو المغولى و المسيحى.

يتناول الكاتب بالتفصيل المرادفات الإسلامية لمصطلح الهرطقة المسيحى لبحث مفهوم الإنشقاق فى إطار الإستخدام اللفظى و الدلالة اللغوية، و مدى مطابقة المرادفات العربية لنظيرتها المسيحية التى تعنيها كلمة الهرطقة فى السياق المسيحى و هو الإنشقاق العقائدى.

إكتشف الكتاب العرب المحدثون أن لا يوجد ترادف متطابق مع كلمة هرطقة، و إن كانت هناك الكثير من الألفاظ التى تتقارب معها مثل (بدعة) و هى إبتداع عادة أو ممارسة جديدة لم توجد فى عهد الرسول (عليه الصلاة و السلام)، على أن مفهوم و تأصيل فكرة البدعة و مطابقتها على بعض الأفعال هو أمر شديد الإرتباط بالمكان و الزمان. فنجد أن ما يعتبره الفقهاء بدعة قد يعتبر من السنن الطبيعية للحياة فى مكان أو زمان آخر. ثانى هذه المترادفات هو لفظ (غلو) الذى يعنى التمادى و المبالغة و تجاوز الحدود فى أمر ما أو بدعة ما، إلا إن الإسلام لا يرى هؤلاء كخارجين على الدين حيث أن إختلاف الفقهاء رحمة، و لم يطلق لفظ الغلو بمفهومه السلبى الإبعادى بشكل عام إلا على من يصاب فكره الدينى الإسلامى بشطط ما مثل الغلاة من الشيعة الذين يصبغون صفات إلهية على الخليفة على بن أبى طالب ليصل الأمر إلى ما يشبه تعدد الآلهة فهؤلاء فى نظر أغلبية الفقهاء مرتدون عن الإسلام. ثالث هذه المصطلحات هو (الزندقة) و هى كلمة ذات أصل إيرانى و أُطلقت بدايةً على متطرفى المذهب الزرادشتى ثم شملت كل من له مذاهب مناقضة للعقيدة و صار المصطلح يعنى بشكل عام أصحاب الفكر المتحرر أو الفاسق. الفارق الرئيسى بين المصطلح الأخير و سابقيه هو كون لفظ (زنديق) إذا تم إطلاقه على شخص ما فإنه غالباً ما يُتبع بتصرفات قانونية قد تصل للسجن و الإستجواب و ربما يصل الجزاء للموت، بخلاف لفظى بدعة و غلو و التى تشكل أساساً رأياً فقهياً و ربما يصل لحد التكفير و لكنه يظل فى النطاق الغير رسمى و بالتالى غير تطبيقى بشكل مؤسسى، و نلاحظ كقاعدة عامة أن التطبيق كان أقل عنفاً من النظرية فى هذا الأمر كما فى الكثير من الأمور الآخرى فى الشريعة الإسلامية. أما لفظ (إلحاد) فهو مرادف لغوى للفظ (زنديق) و إن لم يتم إستعماله فى المنطوق اللفظى للقضاة الأوائل. كنتيجة لما سبق لم يجد الباحثون أى ترادف للفظ الهرطقة فى الإسلام، حيث أن الغالبية العظمى من الإنشقاقات الدينية الإسلامية تم إستيعابها فى الإطار الدينى الإسلامى، فلا يماثل فعل الهرطقة كفعل أو كلفظ إلا فعل الكفر نفسه.

بشكل عام فإن معظم الحركات الدينية قد تم إستيعابها فى الإسلام عن طريق الفعل -البطىء زمنياً- للإجماع الذى كان يميز الحضارة الإسلامية فى تطورها. و قد ساعد على هذا التطور المستمر عدم وجود معهد إكليركى إسلامى يقوم بتحديد شؤون العقيدة. فنجد أن التفسيرات المختلفة للقرآن مرحب بها فى كل الأزمنة، و أن إجماع الفقهاء هو من المرونة بحيث يختلف زمانياً و مكانياً بحسب متطلبات المجتمع و العصر و بحسب قوة الطبقة الدينية علمياً و فقهياً.

فى غياب سلطة عليا مثل سلطة البطريرك أو البابا، فإن شؤون حماية العقيدة و إتهامات الهرطقة أو الخروج من العقيدة يتم إطلاقها غالباً من فئة ترتكز على مفاهيم مدرسة فقهية معينة ضد آخرى ترتكز على مفاهيم مدرسة فقهية آخرى، و هو مفهوم ندّى لا يقبل القطع بشكل عام، حتى أن الغزالى قد قال فى هذا الصدد “أى مذهب يجعل الحقيقة حكراً عليه، هو نفسه الأقرب إلى الهرطقة، ذلك إنه يعطى الفقيه مكانة تحققت فقط للنبى (عليه الصلاة و السلام)”، و لكننا نرى فى الحضارة الإسلامية أنه عندما يسعى جماعة من الرجال لتحدى النظام القائم فى محاولة لتغييره، فإنهم يجعلون من تعاليمهم أفكاراً و عقيدة، و تكون أداتهم فى التغيير طائفة أو مذهب دينى، فى تناظر واضح لأقرانهم فى الغرب الحديث الذين ينشؤون المذاهب و الأحزاب السياسية فى محاولة للوصول للسلطة. 

يلاحظ تاريخياً على مدار التاريخ الإسلامى المديد أن نمو قوة الدولة الإسلامية يترافق معها تباعد و عدم تطبيق لأخلاقيات الإسلام و آدابه الإجتماعية بشكل عام، فالدول الإمبراطورية الإسلامية إستلهمت الكثير من أساليب حكم ما سبقها من إمبراطوريات قديمة و لم تكن الشريعة و الحكم الإسلامى الصارم يتم وضعهم فى التطبيق العملى إلا فى الشكل الخارجى للدولة و فى ثنايا الإطار النظرى للحكم للحصول على الشرعية الشعبية المطلوبة لدوام السلطان.

يبدو حديث الرسول (عليه الصلاة والسلام) “لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق” و غيره من الأحاديث و المواقف من السيرة -التى تحمل نفس المعنى- قد أوجزوا القول و عمموا الحكم و أعطوا المشروعية الدينية لمن يريد الخروج على الحاكم الغير مطبق للشريعة الإسلامية. لكن التطبيق العملى لهذا المبدأ لم يحدث غالباً فى التاريخ الإسلامى، بل و لم يتأصل فقهياً لسببين رئيسيين، أولاً هناك لبس و غموض و صعوبة شديدة فى تحديد حكم و مصداقية فعل خروج الحاكم عن الشريعة نفسه، حيث إنه لا توجد هيئة سياسية أو شعبية أو تشريعية أو شرعية أنيطت بها هذه المهمة بشكل واضح، و لا يجوز فى هذه المسألة المصيرية أخذ الآراء الفقهية المتضاربة التى قد تتبع الهوى السياسى لقائلها أو  لأغراض آخرى فى نفوس الجماعات التى تنشد هدم سلطان الحاكم لتحوذ محله. ثانياً ليس هناك إجراءات أو آليات شرعية محددة فقهياً و من ثم سياسياً أو شعبياً لكيفية التصرف للخروج على هذا الحاكم الغير متبع للشريعة. أجمع غالبية الفقهاء على أن جواز العصيان و رفض الحاكم طبقاً للسند الدينى لا يحدث إلا فى حالة خرق الحاكم لتعاليم الشريعة و للنص القرآنى و للسنة بشكل واضح لا لبس فيه، و هو ما يصعب حدوثه بالضرورة نظراً لعدم قيام خلفاء و حكام الدولة الإسلامية قديماً و حديثاً بأى تحدى واضح و صريح للموروث الدينى. أمام قوة الحاكم و سيطرته على مقاليد الأمور الدينية خرج بعض الفقهاء بآراء فى أن التطبيق الفعلى لنصوص الخروج عن الحاكم تجوز فى حالات قليلة و معدودة فقط، على أن يتم تطبيقها على أحكام و أفعال الحاكم فقط و لا تطبق على شخصه المتمتع بالحصانة الدينية!

يرتبط بالمفهوم السابق بعض المصطلحات الدينية و الفنية مثل مصطلح “فتنة”، و قد تم إستخدامه مبكراً بمفهوم “البدعة” أى الخروج عن صحيح القرآن و السنة، و لكن لاحقاً تم إستخدام المصطلح لوصف الحركات الإجتماعية و السياسية و الدينية المعارضة، مدنية كانت أم عسكرية أم إقليمية، ليتحول اللفظ فعلياً إلى إستخدامه من قبل جماعة من المسلمين ضد جماعة آخرى لأغراض سياسية بحتة، و إستمر الإستدلال بهذا الوصف حتى العصر الحديث فتم وصف الثورة الفرنسية إسلامياً أول ما وُصفت بالفتنة.

مصطلح هام آخر هو “بغاة”، جمع بغى. التعريف المبدأى لهذا اللفظ هو المعتدى على الشريعة الأسلامية إجتماعياً أو دينياً أو أخلاقياً. لاحقاً أضحت هذه الكلمة هى المستخدمة فى اللغة الفنية القانونية الإسلامية لوصف ما يمكن أن نطلق عليهم ثوار بالمفهوم الحديث، حيث أصبحت تطلق على أى فئة من المسلمين تخرج عن سلطة الخليفة، أياً كانت هذه الفئة أو إنتمائاتها أو عددها، فتم إطلاق لفظ بغاة على أفراد أو على دول كاملة كانت قد خرجت من تحت سلطان الخلافة. و يلاحظ فى هذا الصدد أن الكثير من الدول الإسلامية لم تكن خاضعة لسلطان الخلافة منذ العصور المبكرة للدولة الإسلامية و تمتعت بما يشبه الحكم الذاتى حديثاً، و كان وصف “البغاة” يطلق عليهم ليس بدون أى إدانة دينية أو أخلاقية مباشرة إلا لكونها قد حجبت الطاعة عن خليفة المسلمين، حيث من المفترض طبقاً للنظرية المباشرة للقانون الإسلامى أن العالم ينقسم إلى (دار الإسلام) الممثلة فى دولة واحدة من ناحية، و إلى دول غير مسلمة من ناحية آخرى، و من هذا المنطلق نشأت الحاجة لصياغة وضع قانونى و نظام شرعى للدول الإسلامية المتعددة للتعامل و التواصل بين بعضها البعض.

أما لفظ “ثورة” فقد تم إستخدامه منذ العصور الوسيطة الإسلامية فى سياق سياسى و لكن غلب عليه الطابع الشخصى، فإستخدمه أول الخلفاء العباسيين (السفاح) فى وصف نفسه فى خطاب للشعب، و إستخدمه زعيم علوى فى القرن العاشر و لقب نفسه (الثائر فى الله)، ثم تطور إستخدامه للجماعة و أحياناً كانت له معانى سلبية مثل إستخدامه من قبل كاتب السيرة الرسمية لوصف مؤامرة على الحكم تعرض لها صلاح الدين لخلعه لصالح الفاطميين المنفيين حينها، و كذلك تم وصف الأمراء الذين حكموا فى إسبانيا بعد إنهيار خلافة قرطبة بالثوار. فى العصور الحديثة تم إستخدام المصطلح من قبل الكتاب العرب بداية من القرن التاسع عشر لوصف الثورة الفرنسية، ثم أصبح هو الإستخدام الشائع لوصف الثورات حتى الآن. جائت النظم الإشتراكية فى مصر و العراق و الشام لتضيف للمصطلح زخماً جديداً ليكون هو المعبر عن هذه الحركات الإشتراكية و إيديولجياتها. بينما المصدر العربى الكلاسيكى المعادلة للمصطلح الأوروبى هى “إنقلاب”  بمعنى تحول الشىء جذرياً، أو تغيره كلياً، أو إنقلابه رأساً على عقب. إستخدم الكندى لفظ (إنقلاب) فى وصفه التحول الدورى و المحتم للسلطة، بمعنى إنقلاب نظام الحكم، و إستخدم العثمانيون (الأتراك) هذا اللفظ فى وصف الثورات الأوروبية و كذلك فى وصف التغيرات السياسية الداخلية فى أعوام 1908، 1919، و 1923. كما تم إستخدام المصطلح (إنقلاب) فى اللغة الفارسية لوصف التغير السياسى الذى حدث عام 1979. فنجد أنه بينما يتم إستخدام لفظ (إنقلاب) للإزدراء و التحقير من الفعل الثورى المراد وصفه فى اللغة العربية، فإنه هو الوصف الدقيق و الإيجابى لنفس الفعل فى كل من التركية و الفارسية و اللغة العربية الكلاسيكية!

الجزء السابع؛ مفاهيم جديدة

 

كانت لكلمة حرية دلالة و إستخدام شرعى فى الحياة الإسلامية و لم تكن تحمل أى مضمون سياسى حيث كان الحر هو الرجل الحر و ليس العبد، ثم أستخدمت مع إتساع الإمبراطورية لتشمل أقوام من الناس لم يكن عليهم دفع الجزية، أو لم يُطلب منهم القيام بأياً من الأعباء المفروضة على العامة كالضرائب و خلافه لظروف معينة تخص هذه المجموعة. كان المدلول الإجتماعى للكلمة ضعيف جداً فى وسط الرجال الأحرار. لهذا السبب لم يكن الثائر يبحث عن الحرية أمام الحاكم الظالم المستبد و لكن عن العدل! بينما كان الشخص الواقع تحت نير العبودية هو من يبحث عن الحرية.

فى إجتهادات لاحقة لتحقيق الترادف و التماثل بين الكلمة العربية و المعنى الغربى المعاصر لها، كتب الطهطاوى أن ما يطلق عايه الفرنسيون (الحرية)، هو ذاته ما يطلق عليه المسلمون العدل و الإنصاف، بمعنى الحرص على المساواة بين الناس أمام القانون، و الحكم طبقاً لشريعته، و إمتناع الحاكم عن أى سلوك استبدادى أو غير شرعى ضد رعاياه. و قد كان لطهطاوى دوراً رائداً فى ربط مفاهيم الماضى بالألفاظ المعاصرة.

برغم شيوع إستخدام اللفظ الجديد (الحرية) إلا أن الإستخدام السياسى له ظل غير واضحاً فى النطاق المحلى فقد كان يُفهم بكونه حرية التمتع بالملكية أو أن يمارس الفرد حياته الطبيعية أو بمعنى السلطة الفطرية الأصيلة لكل الكائنات الحية لأن تأكل و تشرب و هكذا. لم تكن فكرة حق المواطن أن يُحكم و يُعامل بعدل قد تبلورت بعد فى عقول العامة من الناس و ظلت لفترة فكرة نخبوية تشيع فى أوساط المتعلمين و العائدين من البعثات الأوروبية، إلى أن تسربت شيئاً فشيئاً المفاهيم الليبرالية و الدستورية لنخب أوسع من الشعوب.

لم تبدأ حركات شبه شعبية فى الدول إسلامية تنادى بالتطبيق الراديكالى لهذه القيم -أى إستبدال مفهوم العدل بمفهوم الحرية و ما تبعه من إقتراحات بتقييد سلطات السلطان- إلا فى تركيا العثمانية فى آواخر ستينات القرن التاسع عشر. برغم صياغة بعض أفكار السياسية لجماعة الليبرالين الوطنيين -الذين عُرفوا بالعثمانيين الجدد- برغم صياغة أفكارهم بمصطلحات إسلامية بها نكهة العودة إلى التراث و إستلهام القيم الإسلامية إلا أن الحقيقة أن كل ما جاء فى أدبياتهم و تخطيطهم كان بدافع التأثر بنموذج الدولة القومية الليبرالية القائم وقتها فى أوروبا، و خصوصاً البرلمان البريطانى كنموذج مثالى، و التعاليم الليبرالية للتنويرين من رواد الثورة الفرنسية كمنبع للأفكار و الإيديولوجية، و تشكيلات الجمعيات السرية فى كل من بولندا و إيطاليا كنمط للتنظيم و للتحركات التكتيكية. نادى العثمانيون الجدد بمبدأين أساسين لكى يبقى أداء الحكومة فى حدود العدل، أولهما العلانية و الشفافية لنظام الحكم و لقوانين الحكومة، و ثانيهما هو مبدأ الشورى الذى يحجم السلطة التشريعية للحكومة.

بعد موجة الغزوات الإمبريالية الغربية للعالم الإسلامى، و فى ثنايا الإدارة الغربية للمجتمعات المحتلة، إختفى شيئاً فشيئاً التعريف الغربى لمفهوم الحرية فى المجتمعات الإسلامية و العربية، و بدأت الحرية كمصطلح لا يعنى إلا التحرر الوطنى من الإستعمار. بل أن بعد التحرر و فى خمسينات و ستينات القرن الماضى إستمر تفريغ الكلمة من معناها الليبرالى الفردى الذى كانت قد جرت نقاشات عليه عربياً فى آواخر القرن التاسع عشر، و أصبحت الكلمة لا تعنى إلا سياسات التحرر الأفرو-آسيوى و خلافه من الأنشطة و الشعارات التى تطالب بالتحرر من القوى العظمى، و تم رفض الديمقراطية الغربية و الحرية الفردية حكومياً بدافع رفض التقليد و إعلاءاً للإتجاه القومى. لم تبدأ الكلمة فى إسترداد معناها الأصلى فى الفهم و التناول إلا فى أوائل السبعينات ثم فى الثمانينات و التسعينات التى شهدت موجة من الأصولية الدينية كان لزاماً على المتصدين لها بعث مفهوم الحريات الشخصية و الليبرالية و إعادة البريق للمنافس الأساسى و المتصدى الأقوى للمد الإسلامى الحديث و هو الليبرالية الفردية الغربية!

أدخل الأوروبيون الذين أداروا المستعمرات الكثير من التغيرات المادية و العملية فى شؤون البلاد الإسلامية، و نظراً لكون الحاكم الأوروبى المستعمر هو شخص يميل بطبعه للمحافظة، فلم يتدخلوا بشكل كبير فى مؤسسات الفكر و الثقافة، إلا أن أبناء البلدان الذين تشبعوا بالفكر الغربى كانوا هم الأعمق تأثيراً و الأكثر تطرفاً فى إعادة تشكيل دور المؤسسات الثقافية و الفكرية فى بلادهم على أسس غربية و بمفاهيم أوروبية جديدة تماماً على مجتمعاتهم.

إستيعاب الحضارة الأوروبية من قبل البلدان النامية هى عملية معقدة و متشعبة و تشمل تقريباً كل منظومة القيم و المعايير و الأنماط المؤسسية. فمن الضرورى على الدول النامية الراغبة فى إستلهام الحضارة الغربية على أرضها و وسط شعبها أن تقيم على أرضها مؤسسات سياسية و إدارية مشابهة للغرب، و أن تتبنى الأنماط الإجتماعية و الثقافية المعاصرة أوروبياً فى هياكلها الإجتماعية و الثقافية، و أن يتم تحديث الإقتصاد و أساليب الإنتاج لتكون كمثيلتها الغربية. لكن الحقيقة أن عملية إستعارة القيم أو إستيراد الحضارة تحمل الكثير من الصعوبات التى تتفاقم و تتضخم أساساً إذا كان البلد المستورد يملك من الرصيد الحضارى القديم ما يؤهله للإستناد على هذه الإنجازات المتراكمة فى وجدان الشعوب لإستلهام قيمه و معاييره الخاصة التى حافظ عليها لمئات السنين.

كان الصدام بين المجتمع الذى يحاول أن يتشكل على القيم الجديدة و بين المجتمع القيمى القائم أساساً ممتد إلى كل المجالات الحياتية. من أهم المعايير المتوازية بينهما كانت قيمة الولاء، أو بمعنى مقارب تشكيل رأس المال الإجتماعى. لم تكن الولاءات العائلية و الدينية تشكل أى نوع من الإستغراب فى الماضى الإسلامى، بل شكلت أساساً لرأس المال المجتمعى و كانت هى دروب الحياة الإجتماعية الأساسية للتقدم فى الأعمال و للترقى فى المناصب و لتشكيل دوائر النفوذ و الأمان و التشابك. مع إستيراد المفاهيم الأوروبية الحكومية و الدستورية، أصبحت هذه النوعية من الولاءات غير مستحبة و مستهجنة ممن يصرح بها. فالولاء فى الدولة الحديثة يكون للدولة و مؤسساتها و قيمها القانونية و الدستورية و كل ما عدا ذلك يتم نقضه و محاربته إذا إقتضت الضرورة. فتحول الولاء العائلى من مصدر فخر إلى منبع إتهام بمحاباة العائلة، و الولاء الدينى بدلاً من كونه سابقاً أساساً للولاء الشخصى و الوظيفى أضحى مصدر إحتقار مؤسسى و مثار تساؤل عن مدى الرجعية الدينية و الأصولية لصاحبه.

يتحقق التطوير و التحديث وفقاً للفكر الإسلامى فى إتباع نموذج الرجل المثالى و المجتمع المثالى و الدولة المثالية، حيث الإستناد إلى ذكريات العصر الذهبى هى أقصى طموحات الكثير من القادة و الشعوب. لهذا فإن نموذج التطوير أحياناً ما يصطدم بالرغبة فى التقليد أو فى تحقيق ما تحقق بالفعل، و من هنا فإن أى تغيير تحديثى حقيقى لا يستند إلى معايير أو قيم تاريخية هو بالأساس مشكوك فيه و غير مستحب للكثيرين لكونه يبتعد بالضرورة عن النموذج الذهبى إجتماعياً و سياسياً و إقتصادياً و ثقافياً و حضارياً. و نرى هذا التناقض جلياً فى الكثير من الدول الإسلامية المعاصرة و التى يتخذ فيها الحكام وضع لا يتلائم غالباً مع الدساتير الحديثة التى وضعت فى الدولة. فلا يزال تحقيق العدل و الحياة الكريمة بشكل فعلى و عملى، هو واجب على الحاكم و ليس حقاً أصيلاً للرعية. لتتواصل أدبيات الحياة الإسلامية الكلاسيكية فى نصح الحاكم و محاولة تقويمه و لفت نظره إلى هذه المظالم أو تلك المطالب، لتستمر فى العصر الحديث و بإستخدام أدوات تشريعية و حقوقية و رقابية لم توضع أصلاً لهذا الإستخدام التقليدى و لكن لما هو أبعد منه بمراحل كثيرة!

لم تتقدم الحركات الليبرالية الإسلامية إلا بدعم و رعاية الطبقات الحاكمة، دون وجود نخب بورجوازية أو دون وجود حتى لفئات ليبرالية من الشعوب الإسلامية بالأساس. بالمثل لم تكن الثورات الإشتراكية فى القرن العشرين تقوم على أكتاف طبقات العمال و الكادحين و البروليتاريا، بل على يد النخب السياسية و العسكرية. جرى تأصيل هذا الوضع الشاذ فى الكثير من الكتابات التى ترى الجماهير الإسلامية عامةً و العربية خصوصاً هى جماهير بالأساس جاهلة و مسيرة، و تعودت على الذل و الطاعة لقرون طويلة و لا يجوز إعطائها حق تقرير مصيرها بنفسها فى الوقت الحالى و لكن لابد من النخبة الحاكمة المتعلمة -و النخبة العسكرية بطبيعة الحال- أن تقود هذه البلدان لتحقيق النهضة التحديثية و الإجتماعية المرغوبة.

إن تحقيق النهضة بإستعمال القيم الإسلامية و التراثية لهو أمر ضرورى الحدوث، حيث أن الشريعة الإسلامية تملك من المرونة و الإتساع بما يشمل أغلب المقترحات الحقيقية الضرورية للتطور المجتمعى. إلا أن أى محاولة لإستلهام التراث فى التحديث أو فى التطوير لا يجب أن تتجاوز حدود التفسير لتخالف الأصول الدينية الواضحة. فيكون التحديث و التطوير هو محاولة لإعادة البريق للماضى و ليس لتحريفه أو للخروج عنه و تغيير أصله.

 

الجزء الثامن؛ أحداث معاصرة

 

تمت مناقشة تفاصيل الفقه اليومى لحياة المواطن فى الدولة الإسلامية بكل تفاصيلها، إلا أنه لم تناقش تقريباً حياة المسلم فى بلد غير إسلامية إلا فيما ندر، و هى مناقشات تتصف بالعمومية و السطحية غالباً. فعند إهتداء أحد الرعايا الغير مسلمين المقيم فى دولة غير إسلامية هل يفضل أن يبقى أم أن يهاجر إلى دولة إسلامية؟! إختلف الفقهاء فى هذا الموضوع تماماً و وصلوا إلى التشدد فى التحريم و الترغيب، فمنهم من يرى إنه لا يجوز له أن يبقى فى الدولة الكافرة و يجب عليه الهجرة فوراً أسوة بالرسول الكريم (عليه الصلاة و السلام) و إذا لم يهاجر، تكون أملاكه غنيمة للمسلمين فى حالة الفتح الإسلامى! و منهم من بعض ائمة الشيعة من يرى أن بقاء المسلم فى البلد غير المسلم مستحب، و فى حالة نجاحه أو فشله فله أجر جماعة مسلمة كاملة! بل و إستزاد بعض الفقهاء فى التاريخ الإسلامى فى هذا الأمر، إذ إنه عند مناقشة الذهاب إلى أوروبا لجلب الثمار و الطعام فى أوقات المجاعة و الندرة الغذائية، ناقش هؤلاء مشروعية الذهاب ليفتى بعضهم بجواز جلب البضائع الناقصة من هناك، و يرفض البعض الآخر مجرد الذهاب بإعتبار أن ثمن الطعام الذى سيعطى لهم سيستخدمونه لتقويتهم للحرب على المسلمين إن عاجلاً أو آجلاً!

يكون التطبيق الدقيق لفقه الهجرة من الدول الكافرة تبعاً لفقهاء المالكية هو فى الهجرة من الدول التى كانت إسلامية ثم إحتلها غير مسلمون و أقاموا بها دولة غير إسلامية، جنوب إيطاليا و سيسيل و إسبانيا و البرتغال. حيث أجمعوا على وجوب مغادرة هذه الدول.

هناك بعض الإجتهادات القديمة فى هذه المسألة و منها الفقيه التونسى، السيسيلى الأصل (المزارى) الذى أفتى فى القرن الثانى عشر بجواز بقاء المسلم فى أرض غير إسلامية إذا سُمح له بممارسة شعائر دينه دون عقبات، و إذا كان لديه أمل معقول فى أن يقوم بمساعدة غيره من المسلمين بتحويل سادة البلد إلى الإسلام، و يجوز هذا البقاء حتى إذا كانوا واعين بالحكم الشرعى الذى يطالبهم بالرحيل!

 يتكلم الكاتب فى فصل كامل عن جريمة إغتيال السادات، و كيف قام هيكل بتحويل الموضوع بعيداً عن حقيقته كنتيجة لكرهه الشخصى للسادات. بينما الحقيقة واضحة و جلية و هى أن التيار الإسلامى يرى أن جريمة السادات التى لا تغتفر مثله فى هذا مثل معظم الرؤساء العرب و المسلمين فى العصر الحديث، هى جريمة وقف العمل بالشريعة الإسلامية، و تحويل المجتمع المسلم لمجتمع وثنى، و ذلك بفرض قوانين و ممارسات غربية مستوردة من مجتمعات كافرة!

يشير الكاتب إلى جزء من كتاب الفريضة الغائبة، لصاحبه عبد السلام فرج (أحد المدانين فى قضية إغتيال السادات)، حيث يؤكد فرج أن الجهاد على العدو القريب أولى من العدو البعيد، لأن الجهاد لتحرير فلسطين مثلاً إذا تحقق فلمن ينسب الفضل؟! للمجاهدين و لدولة إسلامية أم لرؤساء غير إسلاميين يقودون دولاً لا دين لها؟!

يختتم الكاتب كتابه بنظرة تاريخية عامة على الشرق الأوسط، حيث يقرر أن الإسلام حضارة، و هو هوية كاملة متكاملة من كل النواحى، يتمثل فيها قرار التضحية فى سبيلها حتى و إن لم تكن مظاهر العبادة و قوة الإيمان فى الإسلام كما كانت من قبل.

على مدى ألف عام منذ الصعود الأول لدولة الخلفاء فى الشرق الأوسط، و حتى محاولة غزو فيينا الثانية من قبل العثمانيين، كانت أوروبا واقعة تحت التهديد الإسلامى المستمر بالغزو، و ما يتبعه غالباً من تحول دينى للإسلام. كانت آخر الإمبراطوريات الإسلامية العظمى هى العثمانية التى ظلت لآخر عهدها قوة عسكرية عظمى فى قلب أوروبا. إلا أن خلف أسوار الإمبراطورية كانت الشعوب و الدول تعيش لقرون فى عزلة كاملة عن العالم و تعيش وهم التفوق الذى لا ينازع فى أسلوب حياتهم!

و فى النهاية تبقى جهود الصحوة الإسلامية نابعة من إتجاهين بحثيين. (ما الخطأ الذى إرتكبه المسلمون؟) أو (من الذى فعل بالمسلمين ذلك؟) فى إختيار السؤال و شجاعة الجواب يكمن الفجر الجديد للحضارة الإسلامية.

Advertisements
This entry was posted in Books, Islam, كتب, الإسلام, الإسلام السياسى and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s